ابن أبي الحديد

297

شرح نهج البلاغة

وقال بعض الحكماء - وقد استوصف الدنيا وقدر بقائها - : الدنيا وقتك الذي يرجع إليه طرفك ، لان ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه ، وما لم يأت فلا علم لك به ، والدهر يوم مقبل تنعاه ليلته ، وتطويه ساعاته ، وأحداثه تتوالى على الانسان ، بالتغيير والنقصان ، والدهر موكل بتشتيت الجماعات ، وانخرام الشمل ، وتنقل الدول ، والأمل طويل ، والعمر قصير ، وإلى الله تصير الأمور . وقال بعض الفضلاء : الدنيا سريعة الفناء ، قريبة الانقضاء ، تعد بالبقاء ، وتخلف في الوفاء ، تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة ، وهي سائرة سيرا عنيفا ، ومرتحلة ارتحالا سريعا ، ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها ، وإنما يحس بذلك بعد انقضائها ، ومثالها الظل : فإنه متحرك ساكن ، متحرك في الحقيقة ، وساكن في الظاهر ، لا تدرك حركته بالبصر الظاهر ، بل بالبصيرة الباطنة .